قال ابن إسحاق: لما
حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة
خمساً وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار وقذف
في قلوبهم الرعب ، فعرض عليهم رئيسهم كعب بن
أسد أن يؤمنوا أو يقتلوا نساءهم وأبناءهم
ويخرجوا مستقتلين . فقالوا : لا نؤمن ولا
نستحل ليلة السبت وأي عيش لنا بعد ابنائنا
ونسائنا ؟ فأرسلوا إلى أبي لبابة بن عبد
المنذر رضي اللّه عنه وكانوا حلفاءه ،
فاستشاروه في النزول على حكم النبي صلى الله
عليه وسلم . فقالوا : يا أبا لبابة ماذا ترى ؟
وماذا تأمرنا ؟ فإنه لا طاقة لنا بالقتال ،
فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه ، وأمر عليه
أصابعه يريهم إنما يراد بهم القتل . فلما
انصرف أبو لبابة سقط في يده ورأى أنه قد
أصابته فتنة عظيمة فقال : واللّه ، لا أنظر في
وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى أحدث
للّه توبة نصوحاً يعلمها اللّه من نفسي .
فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذع من جذوع
المسجد فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
حين غاب عليه أبو لبابة : أما فرغ أبو لبابة
من حلفائه ، فذكر له ما فعل . فقال صلى الله
عليه وسلم : لقد أصابته بعدي فتنة ولو جاءني
لأستغفرت له وإذ قد فعل هذا فلن أحركه من
مكانه حتى يقضي اللّه فيه ما يشاء . فمكث كذلك
حتى تاب الله عليه ، ولما جاء الصحابة يحلونه
قال : لا والله ، حتى يكون رسول الله صلى الله
عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده ، فلما مرَّ
عليه خارجاً الى صلاة الصبح أطلقه .
عن عبدالله ابن
عمر قال : حاصر النبي صلى الله عليه وسلم أهل
الطائف فلم يفتحها فقال : إنا قافلون غدا إن
شاء الله ، فقال المسلمون : نقفل ولم نفتح ،
قال : فاغدوا على القتال ، فغدوا فأصابتهم
جراحات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا
قافلون غدا إن شاء الله ، فكأن ذلك أعجبهم ،
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عن أم قيس قالت
توفي ابني فجزعت عليه فقلت : للذي يغسله لا
تغسل ابني بالماء البارد فتقتله ، فانطلق
عكاشة بن محصن إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فأخبره بقولها ، فتبسم ، ثم قال : ما
قالت طال عمرها ، فلا نعلم امرأة عمرت ما
عمرت .
وأخرج ابن عساكر
عن أنس رضي اللّه عنه أن رجلاً مر بمجلس في
عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسلم
الرجل فردوا عليه ، فلما جاوزها ، قال أحدهم :
إني لأبغض هذا ، قالوا : مه ، فواللّه لننبئنه
بهذا ، انطلق يا فلان ، فأخبره بما قاله له ،
فانطلق الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فحدثه بالذي كان وبالذي قال ، قال الرجل : يا
رسول اللّه ، أرسل إليه ، فاسأله لم يبغضني ؟
قال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : لم
تبغضه ؟ قال : يا رسول اللّه ، أنا جاره ، وأنا
به خابر ، ما رأيته يصلي صلاة إلا هذه الصلاة
التي يصليها البر والفاجر ، فقال له الرجل :
يا رسول اللّه ، سله هل أسأت له وضوءاً ، أو
أخرتها عن وقتها ؟ فقال : لا ، ثم قال : يا رسول
اللّه ، أنا له جار ، وأنا به خابر ، ما رأيته
يطعم مسكيناً قط إلا هذه الزكاة التي يؤديها
البر والفاجر ، فقال : يا رسول اللّه ، سله هل
رآني منعت منها طالبها ؟ فسأله ، فقال : لا ،
فقال : يا رسول اللّه أنا له جار ، وأنا به
خابر ، ما رأيته يصوم يوماً قط إلا الشهر
الذي يصومه البر والفاجر ، فقال الرجل : يا
رسول اللّه ، سله هل رآني أفطرت يوماً قط ،
لست فيه مريضاً ولا على سفر ؟ فسأله عن ذلك ،
فقال : لا ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم : فإني لا أدري لعله خير منك .
وأخرج ابن أبي
حاتم عن مكحول قال : جاء شيخ كبير هرم ، قد سقط
حاجباه على عينيه فقال : يا رسول اللّه ، رجل
غدر وفجر، ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطفها
بيمينه ، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض
لأوبقتهم ، فهل له من توبة ؟ فقال النبي صلى
الله عليه وسلم : أأسلمت ؟ فقال : أما أنا
فأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له
وأن محمداً عبده ورسوله ، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم : فإن اللّه غافر لك غدارتك
وفجراتك ، ومبدل سيئاتك حسنات ما كنت كذلك ،
فقال : يا رسول اللّه ، وغدراتي وفجراتي ؟
فقال : وغدراتك وفجراتك ، فولى الرجل يكبر
ويهلل .
عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : بينما امرأة
فيمن كان قبلكم ترضع ابنا لها إذ مر بها فارس
متكبر عليه شارة حسنة ، فقالت المرأة : اللهم
لا تمت ابني هذا حتى أراه مثل هذا الفارس على
مثل هذا الفرس ، فترك الصبي الثدي ثم قال :
اللهم لا تجعلني مثل هذا الفارس ، ثم عاد إلى
الثدي يرضع ، ثم مروا بجيفة حبشية أو زنجية
تجر ، فقالت : أعيذ ابني بالله أن يموت ميتة
هذه الحبشية أو الزنجية ، فترك الثدي وقال :
اللهم أمتني ميتة هذه الحبشية أو الزنجية ،
فقالت أمه : يا بني سألت ربك أن يجعلك مثل ذلك
الفارس فقلت اللهم لا تجعلني مثله وسألت ربك
ألا يميتك ميتة هذه الحبشية أو الزنجية
فسألت ربك أن يميتك ميتتها ، فقال الصبي : إنك
دعوت ربك أن يجعلني مثل رجل من أهل النار ،
وإن الحبشية أو الزنجية كان أهلها يسبونها
ويضربونها ويظلمونها فتقول حسبي الله حسبي
الله .