عن العباس رضي
اللّه عنه قال : كنت يوماً في المسجد فأقبل
أبو جهل لعنه اللّه فقال : إن للّه عليَّ
إن رأيت محمداً ساجداً أن أطأ على رقبته ،
فخرجت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى
دخلت عليه فأخبرته بقول أبي جهل ، فخرج
غضباناً حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من
الباب فاقتحم الحائط . فقلت : هذا يوم شر ،
فاتزرت ثم اتبعته فدخل رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم فقرأ : { اقرأ بأسم ربك الذي خلق } ،
فلما بلغ شأن أبي جهل : { كلا أن الإنسان ليطغى
} ، فقال إنسان لأبي جهل : يا أبا الحكم ، هذا
محمد . فقال أبو جهل : ألا ترون ما أرى ؟
واللّه ، لقد سدّ أفق السماء عليّ . فلما بلغ
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم آخر السورة
سجد .
عن قتادة قال :
تزوج أم كلثوم بنت رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم عتيبة بن أبي لهب وكانت رقية عند أخيه
عتبة بن أبي لهب ، فلم يبن بها حتى بعث النبي
صلى الله عليه وسلم . فلما نزل قوله تعالى : {
تبَّت يدا أبي لهب } قال أبو لهب لابنيه عتبة
وعتيبة : رأسي في رؤوسكما حرام إن لم تطلّقا
ابنتي محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالت أمهما
بنت حرب بن أمية حمالة الحطب : طلِّقاهما يا
بني ، فإنهما صبأتا فطلقاهما . ولما طلق
عتيبة أم كلثوم جاء إلى النبي صلى الله عليه
وسلم حين فارقها فقال : كفرت بدينك ، و فارقت
ابنتك ، لا تجيئني ولا أجيئك ، ثم سطا عليه
فشق قميص النبي صلى الله عليه وسلم وهو خارج
نحو الشام تاجراً . فقال النبي صلى الله عليه
وسلم : ( أما إني أسأل اللّه أن يسلط عليك كلبه
) . فخرج في تجر من قريش حتى نزلوا بمكان يقال
له الزرقاء ليلاً فأطاف بهم الأسد تلك
الليلة فجعل عتيبة يقول : ويل أمي هذا واللّه
آكلي كما قال محمد ، قاتلي ابن أبي كبشة وهو
بمكة وأنا الشام ، فناموا ، وجعلوا عتيبة
وسطهم . فأقبل السبع يتخطاهم حتى أخذ برأس
عتيبة فضغمه ضغمة فقتله ، وخلف عثمان بن عفان
بعد رقية على أم كلثوم رضي اللّه عنهما .
عن عروة بن الزبير
رضي اللّه عنهما قال : مات أبو طالب وازداد من
البلاء على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
شدة فعمد إلى ثقيف يرجو أن يؤووه وينصروه ،
فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف وهم إخوة : عبد
ياليل بن عمرو ، وخبيب بن عمرو ، ومسعود بن
عمرو ، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء
وما انتهك قومه منه . فقال أحدهم : أنا أسرق
ثياب الكعبة إن كان اللّه بعثك بشيء قط ؟
وقال الآخر : واللّه ، لا أكلمك بعد مجلسك هذا
كلمة واحدة أبداً لئن كنت رسولاً لأنت أعظم
شرفاً وحقاً من أن أكلمك ، وقال الآخر : أعجز
اللّه أن يرسل غيرك ؟ وأفشوا ذلك في ثقيف
الذي قال لهم ، واجتمعوا يستهزئون برسول
اللّه صلى الله عليه وسلم وقعدوا له صفين على
طريقه ، فقام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ، فقال لهم : إن
فعلتم ما فعلتم فاكتموا عليّ ، وكره رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه
فيذئرهم ذلك عليه ، فخرج من عندهم فأخذوا
بأيديهم الحجارة فجعل لا يرفع رجله ولا
يضعها إلا رضخوها بالحجارة وهم في ذلك
يستهزئون ويسخرون . فلما خلص من صفيهم وقدماه
تسيلان الدماء عمد إلى حائط من كرومهم ، فأتي
ظل حبلة من الكرم فجلس في أصلها مكروباً
موجعاً تسيل قدماه الدماء ، فلما اطمأن قال :
اللهم ، إليك أشكو ضعف قوتي وهواني على الناس
يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت
ربي إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني أم إلى
عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا
أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور
وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر
الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل
عليّ سخطك ، لك العتبي حتى ترضى ، لا حول ولا
قوة إلا بك ، فإذا بسحابة تظله فرفع رأسه
فإذا فيها جبرئيل عليه السلام فناداه فقال :
إن اللّه قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك
وقد بعث اللّه اليك ملك الجبال لتأمره بما
شئت فيهم ، فناداه ملك الجبال فسلّم عليه ثم
قال : يا محمد ، ما شئت إن شئت أن أطبق عليهم
الأخشبين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
بل أرجو أن يخرج اللّه عزّ وجلّ من أصلابهم
من يعبد اللّه عزّ وجلّ وحده لا يشرك به
شيئاً .
عن الحسن قال :
أرسل عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، إلى
امرأة مغيبة كان يدخل عليها فأنكر ذلك ،
فأرسل إليها فقيل لها : أجيبي عمر ، فقالت : يا
ويلها ، ما لها ولعمر . فبينما هي في الطريق
فزعت فضربها الطلق ، فدخلت داراً ، فألقت
ولدها : فصاح الصبي صيحتين ثم مات ، فاستشار
عمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأشار
عليه بعضهم أن ليس عليك شيء ، إنما أنت دالٍ
ومؤدب ، وصمت عليّ رضي اللّه عنه ، فأقبل على
عليّ فقال : ما تقول ؟ قال : إن كانوا قالوا
برأيهم فقد أخطأ رأيهم ، وإن كانوا قالوا في
هواك فلم ينصحوا لك ، أرى أن ديته عليك فإنك
أنت أفزعتها ، وألقت ولدها في سببك ، فأمر
علياً رضي اللّه عنه أن يقسم عقله على قريش
يعني يأخذ عقله من قريش لأنه أخطأ .
عن عطاء قال : كان
عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، يأمر عماله أن
يوافوه بالموسم . فإذا اجتمعوا قال : أيها
الناس ، إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من
أبشاركم ، ولا من أموالكم ، إنمك بعثتهم
ليحجزوا بينكم ، وليقسموا فيئكم بينكم ، فمن
فعل به غير ذلك فليقم .فما قام أحد إلا رجل ،
قام فقال : يا أمير المؤمنين إن عاملك فلاناً
ضربني مائة سوط . قال : فيم ضربته ؟ قم فاقتص
منه . فقام عمرو بن العاص رضي اللّه عنه فقال :
يا أمير المؤمنين ، إنك إن فعلت هذا يكثر
عليك وتكون سنة يأخذ بها من بعدك . فقال : أنا
لا أقيد وقد رأيت رسول الّه صلى الله عليه
وسلم يقُيد من نفسه . قال : فدعنا لنرضيه . قال
: دونكم فأرضوه ، فافتدى منه بمائتي دينار ،
كل سوط بدينارين .
عن أنس رضي اللّه
عنه أن رجلاً من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب
رضي اللّه عنه فقال : يا أمير المؤمنين ، عائذ
بك من الظلم ، قال : عذت معاذاً . قال : سابقت
ابن عمرو بن العاص فسبقته ، فجعل يضربني
بالسوط ويقول : أنا ابن الأكرمين . فكتب عمر
إلي عمرو رضي اللّه عنهما يأمره بالقدوم
ويقدم بابنه معه . فقدم فقال عمر : أين المصري
؟ خذ السوط فاضرب ، فجعل يضربه بالسوط ويقول
عمر : اضرب ابن الأكرمين . قال أنس : فضرب ،
واللّه لقد ضربه ونحن نحب ضربه ، فما أقلع
عنه حتي تمنينا أنه يرفع عنه . ثم قال للمصري :
ضع على صلعة عمرو . فقال : يا أمير المؤمنين ،
إنما ابنه الذي ضربني وقد استقدت منه . فقال
عمر لعمرو : مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم
أمهاتهم أحراراً ؟ قال : يا أمير المؤمنين ،
لم أعلم ولم يأتني .
عن يزيد بن أبي
منصور قال : بلغ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه
أن عامله على البحرين ابن الجارود أو ابن أبي
الجارود أتى برجل يقال له : أدرياس ، قامت
عليه بينة بمكاتبة عدو المسلمين ، وأنه قد
هّم أن يلحق بهم فضرب عنقه وهو يقول : يا
عمراه ، يا عمراه ، فكتب عمر ، رضي اللّه عنه
، إلى عامله ذلك فأمره بالقدوم عليه ، فقدم
فجلس له عمر ، وبيده حربة . فدخل على عمر فعلى
عمر لحيته بالحربة وهو يقول : أدرياس لبيك ،
أدرياس لبيك ، وجعل الجارود يقول : يا أمير
المؤمنين إنه كاتبهم بعورة المسلمين وهمّ أن
يلحق بهم . فقال عمر : قتلته على همّه وأيّنا
لم يهمّه لولا أن تكون سنة لقتلتك به .